أحمد بن أعثم الكوفي
353
الفتوح
قال : فنادى معاوية في الناس وأمرهم بالمسير إلى صيداء ( 1 ) على أن يركب منها إلى رودس ، فسار المسلمون في تعبية حسنة حتى وردوا صيداء وقد جمعت المراكب بها ، قال : فجلس معاوية في مركب منها وركب المسلمون المراكب وقد شهروها بالأعلام والمطارف وخطفوا من الساحل بالتهليل والتكبير في البحر ، والدليل بين أيديهم في مركب من تلك المراكب ومعه أشد المقاتلة ، فلم يزالوا كذلك حتى لاحت لهم الجزيرة في وسط البحر . قال : وأهل رودس قد استقبلوا المسلمين في مراكبهم ، فاقتتلوا في البحر حتى كثرت القتلى بينهم ، ثم رزق المسلمون الظفر عليهم ، فهزموهم وفضوا أمرهم ومراكبهم حتى ساروا إلى الجزيرة فدخلوها عنوة وقتلوا فيها من قتلوا ، وغنموا ما غنموا فيها من مال وأثاث . قال : فبينا المسلمون يدورون في رودس ويجمعون غنائمها إذ دخل منهم رجل يقال له عبد الرحمن بن عرزب الأشعري إلى دار من دورها فلم ير فيها أحدا ، فجعل يدور فيها مع نفر من المسلمين وهو يقول : ويحكم ! هذه دار نظيفة حسنة البناء ولا تخلو هذه الدار من قوم يكونون فيها ، قال : فبينا القوم يجولون في الدار إذا هم بمطمورة ( 2 ) عليها باب قد طمره بالتراب ، قال : فنبش التراب وقلع الباب ودخل المسلمون المطمورة فإذا فيها خمسمائة رأس من رقيق بين غلام وجارية ! وإذا أثاث كثير من ديباج وبزيون وأنواع الأمتعة ! قال : فأخرج كله من المطمورة حتى أتي به إلى المقسم ، فإذا رقعة وقعت من جيب جارية ! فأخذت الرقعة ففتحت فإذا فيها خاتم ذهب وفص ياقوت أحمر ! فأتي به إلى معاوية ، فأرسل به معاوية إلى صاحب المقاسم وأمره أن ينادي عليه ، قال : فنودي على ذلك الخاتم فبلغ ألف دينار ومائتي دينار ، قال : فأخذه معاوية لنفسه وحسبه للمسلمين من سهمه . قال : ثم جمعت الغنائم فوضعت في المراكب ، ثم خطف المسلمون إلى الساحل . وكتب معاوية إلى عثمان يخبره بسلامة المسلمين وما فتح الله عز وجل من رودس ، قال : فسر عثمان بذلك سرورا شديدا وقسم الخمس في المدينة .
--> ( 1 ) صيداء : مدينة على ساحل بحر الشام ، من أعمال دمشق بينها وبين صور ستة فراسخ . ( 2 ) المطمورة : حفيرة تحت الأرض ، أو مكان تحت الأرض قد هيئ خفية يطمر فيها الطعام والمال ( اللسان ) .